عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

203

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : أنّ العامل فيها مقدّر تقديره : « واذكر رسالة لوط إذ قال » ف « إذ » منصوب ب « رسالة » . قاله أبو البقاء « 1 » ، والبدل حينئذ بدل اشتمال . وصرّف نوح ولوط لخفّته ، فإنّه ساكن الوسط ، مركب من ثلاثة أحرف . قال الزّجّاج « 2 » : زعم بعض النّحويين يعني الفرّاء : أنّ لوطا يجوز أن يكون مشتقا من لطت الحوض إذا ملسته بالطين ، وهذا غلط ؛ لأنّ الأسماء الأعجميّة لا تشتق كإسحاق ، فلا يقال : إنه من السّحق وهو البعد ؛ وإنّما صرف لخفته ؛ لأنّه على ثلاثة أحرف ساكن الوسط ، فأمّا لطت الحوض ، وهذا أليط فصحيح ، ولكن الاسم أعجميّ كإبراهيم وإسحاق . وهو : لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم ، كان في أرض بابل مع عمه إبراهيم ، فهاجر إلى الشّام ، فنزل إبراهيم إلى فلسطين ، وأنزل لوطا الأردن ، فأرسله اللّه عز وجل إلى أهل سدوم . قوله : « أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ » أتفعلون السيئة المتناهية في القبح ، وذكرها باسم الفاحشة ليبين أنّها زنا « 3 » لقوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً [ الإسراء : 32 ] . ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنّها مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب ، وعلى الاستئناف يحتمل أن تكون جوابا لسؤال وألا تكون جوابا .

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 279 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 7 / 155 . ( 3 ) يرجم اللائط والملوط به متى كانا مكلفين ، ويشترط في الرجم باللواطة بالنسبة للفاعل تكليفه ، وبالنسبة للمفعول تكليفه ، وتكليف الفاعل . ومن هذا يستنتج أن الفاعل لو كان مكلفا فقط لم يرجم المفعول ، وأن الفاعل لو كان غير مكلف لم يرجم واحد منهما كما لو كانا غير مكلفين ، ولما كانت اللواطة من فظائع الأمور ، وكان المرتكب لها مخالفا للسنن الإلهية ، وقد عاقب اللّه قوم لوط بأشد أنواع العذاب قال تعالى في حقهم : فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها عن ابن عباس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به » رواه الخمسة إلا النسائي . حكم الإمام مالك في اللواطة بالرجم ( وهو مذهب الشعبي ، والزهري ومالك ، وأحمد ، والشافعي في قول له ) ، وذهب جمع أنه يحرق بالنار منهم أبو بكر ، وعبد اللّه بن الزبير ، وهشام بن عبد اللّه . وذهب سعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن ، والثوري ، والأوزاعي والإمام يحيى ، والشافعي في قول له أنه كالزنا . وذهب أبو حنيفة ، والشافعي في قول له ، والمرتضى ، والمؤيد باللّه إلى أنه يعزّر اللوطي فقط . ولم يشترط ما اشترطه في الرجم من الإحصان ، والإسلام ، والحرية واختلفوا في الفاعل المكره فقيل يرجم بناء على المشهور من أن الانتشار اختيار وقيل لا يرجم لأن الإكراه شبهة تدرأ الحد . أما المفعول به المكره فينبغي أن لا يرجم قولا واحدا . إذا كان المرتكب لهذه الجريمة ممن لم يبلغوا الحلم ، وقد كان مميزا فعقابه التأديب بما يراه الإمام زاجرا .